يكفي أن يحبك قلب واحد لكي تعيش .. لم أكن لأكتب هذه التدوينة لولا أن من أحب أراد أن يلعب قليلاً بمشاعري وأن يدخل منطقة محظورة على كثير من أعز أصدقائي . ليس أصعب عليك من أن يحاول شخص له مكانة عندك من أن يختبر مدى حبك له فيثير مشاعرك غير مدرك لمقدار الألم " المحبوب " الذي يمكن أن يحدثه لك . لقد جاء الحبيب سعد ليغرس قلمه في مكان غائر في قلبي .. وتنحى جانباً .. وجلس يترقب الجرح .. ولحظات حتى جاء عبد الإله ليؤكد عمق الجرح أكثر فداس بقلمه المرهف ليزيد الألم ألماً آخر ويضاعف الوجع أوجاعاً .. برهة يسيرة فإذا بـمشاري يأتي من جديد ويحركه قليلاً ليعم الوخز سائر فؤادي . أن اقرأ مقال : أين محمد .. ؟ يومياً حتى كاد كالأذكار على لساني فهذا ما كان يحدث لدي خجلاً بالغاً في أن يذكرك من يحبك فكيف حين يزورك ويأتي إليك . يصيبني حياء بالغ وأنا أجدهم يكتبون ويقتطعون شيئاً من أحبارهم الثمينة ويبثون جزءاً من شعورهم نـحوي ... فحين يتذكرك أصحاب قلوب كبيرة كهؤلاء فهذا يعني أنك تعني في حياتهم شيئاً ولو قليلاً ... وحين أكتب لهم هذه التدوينة فهذا يعني أنهم قد تربعوا مكاناً واسعاً في قلبي لا يعلمه إلا الله ... مسكين هذا القلب .. فكلما ضمّد جرحاً أتى حبيب بجرح آخر .. فيقسو من حيث يحب .. ويثير اشتعاله من حيث أراد الهدوء والسكينة .. ويغلي كما المرجل من حيث أراد له الطمأنينة والسكون .. إلا أنها النار اللاهبة التي توقظ بقايا خلاياك الميتة التي صدأت من فتور العلاقات مع البشر فيأتي مثل من أحببت هنا ليحيل نارها جنة .. وحرّها برداً وسلاماً على فؤادي .. وحدهم تماماً يدركون كيف تكون لغة العيون بيننا .. وحينما ينظرون إلى عينيّ تملؤها دموع الحزن لمرض والدي .. كنت أتحاشا تلك النظرات .. لأنني أدرك أنهم حين ينظرون إليها فإنما يطلّون من نافذة صادقة إلى قلبي .. وهذا ما لا أحتمله .. لأن واحدهم لا يكفيه قلب واحد لكي يحبه .. فهو أشد ما يكون إلى قلوب مجتمعة .. وجميل أن يكون لك قلب أنت صاحبه... ولكن الأجمل أن يكون لك صاحب أنت قلبه . سعد .. عبد الإله .. مشاري الحب الحقيقي كالعطر النادر يترك آثاره مهما طال به العهد يمر الإنسان بابتلاء أو اختبار فيسلبه قواه ويحرمه عزيمته فلا يجد أنفع من دعاء مخلص لربه أو وقفة صادقة من محب قريب يتفطر فؤاده لمصابك أو صديق عزيز يشاطرك بعض آلامك .. وهذا ما كنت في حاجته يوم أن كنت بجانبه أرافقه في ألمه ومحنته .. فكيف كانت محنته وكيف كان ألمي ... حينما عدت إلى البيت في مساء يوم الثلاثاء في تمام الساعة الحادية عشرة كان هناك جلبة في وسط البيت غير معهودة أحسست معها بأن شيئاً ما يحدث في الداخل ، شيْ يحيل هدوء بيتنا المعروف إلى أشبه ما يكون بمعركة صغيرة نشبت في خندق مسالم ... حينما تقدمت عابراً المدخل .. رأيت منظر العائلة يسوده الارتباك وقد تجمعوا حول سريره الخشبي حيث يرقد في لياليه الماضية .. لم تكن اللحظات لتسعفني للسؤال عن حاله .. وماذا جرى في غيابي تلك الليلة .. فقد كان شعاع سيارة الإسعاف الأحمر يملأ ساحة المنزل الداخلية ويحيل هدوء أنوار الحديقة الخارجية إلى حالة استنفار قصوى .. ويُفتح الباب الخارجي .. ليهرول أخي عبدالعزيز ومن ورائه رجلان يحملان سريراً نقالاً .. بادرا بحمله عليها .. لم أشعر بنفسي إلا ممسكاً بجسده المنتفض وسيارة الإسعاف تنقلنا بسرعة إلى حيث مستشفى الشميسي .. كان جسده المتعب يرتفع فجأة وينخفض أخرى كلما ساءت استقامة الطريق وكان يحس مع كل حفرة مؤذية تعكر هدوء مسيرها بأن روحه تخرج معها ، تمنيت أن أكون حينها جسداً ليناً لتعبر تلك الإطارات المتهالكة على كل وصلة فيه وأنقله على كفّي حرير حتى لا يشعر بطول مشوارنا البائس .. يداي المرتجفتان اللتان يتصبب منهما العرق بالكاد تمسك بجسده الذي يغلي كما المرجل .. أحس بحرارته مع كل زفرة من زفراته .. كان ذكر الله يختلط بأنفاسنا اللاهثة ونـحن نـحاول أن نستدرك بقايا عمر شيخ كبير أبت كبده المتعبة إلا أن تفسد عليه أيامه القادمة . ويخرج صوت أخي المتهدج يخاطبه وكأنها كلماته الأخيرة : قل لا إله إلا الله ... فلا يرد إلا بسعلة كادت تخرج ما في جوفه .. ألتفت غاضباً على أخي محاولاً أن أمحو لحظة الوداع التي يريد أن يفرضها الآن : اذكر الله .. إن شاء الله خير .. أنا أعرف تماماً أنني لا أملك من حكم الله شيء لكنها طبيعة البشر تخرجهم عن المعقول حين يريدون أن يحتفظوا بأعز ما يملكون وكأنه مخلّد لهم . الباب الخلفي لسيارة الإسعاف يفتح .. وأنوار بوابة الطوارئ تجهر عيوننا الناعسة .. كافحنا من أجل أن نجد له سريراً داخل أروقة قسم الإنعاش .. يصيبك الجنون وأنت تقابل أطباء تبلدت أحاسيسهم وبردت أعصابهم لفرط ما يمر بهم من حالات ومصائب كل يوم وتحاول إقناعهم بخطورة الحالة التي قد يعرفونها أكثر منك .. ولا يرون في انفعالك إلا حرص الولد على والده .. والحبيب على حبيبه . قامته المتهالكة تتمدد بفتور على سرير غرفة الإنعاش .. ونـحن من حوله .. أنا وإخوتي .. وفريق الأطباء يملؤن هواءه ضجيجاً بأسئلة متتابعة وددت أن أختصرها بكلمة واحدة : أدركوه .. هل كان يشعر بغيبوبة مفاجأة ؟ هل كان هناك ثمة حرارة غير طبيعية في جسده ؟ ماذا بشأن عقله ، هل يدرك من حوله ؟ وأين هو ؟ لم يقطع سيل الأسئلة إلاّ سؤال أخي له : يبه تعرف من أنا ؟ كان ينظر إليه بعينين دامعتين ويقترب مع كل ثانية وكأنه يريد أن ينتزع الجواب منه انتزاعاً .. لكنه كان يقترب من تمثال بلا حراك وعينان شاخصتان تحس بالمعاناة في سوادهما .. وتلمح صمت الكفن في بياضهما .. لحظات عصيبة كانت تقرر بقاءه في غرفة العناية المركزة .. ساعتان من الانتظار الكئيب ولم ينطق بكلمة واحدة .. أصبح جسده النحيل ممراً لأجهزتهم الطبية .. وساعده الضعيف يحمل بقايا وخز الإبر التي تتوالى عليه .. وكأن الألم لا يكفي حتى تزيد توجعه حسرة !! الوحدة القاتلة تسيطر على قسمنا الصغير .. رف السرير الجانبي امتلأ بقوارير العقاقير الطبية .. وحركة الممرضات دخولاً وخروجاً من خلف ستار أبيض تبدو كما المعتقل .. وابتساماتهن الصفراء لا تحرك ساكناً في نفوسنا المتعبة .. كان الليل يمر بلحظاته ثقيلاً على صدورنا .. وسكون المكان يتخلله صوت ممرضة هنا .. ومريض يتأوه هناك .. حينها أحسست بطرف الستارة المتدلي بجانب الحاجز البلاستيكي يتحرك قليلاً وكأن هناك من يحاول أن يشعرك بأنه يقف هناك .. نهضت من مكاني بتثاقل أجرّ قدمي المتورمتين ، مددت يدي إلى حيث كانت الحركة .. يد كبيرة سبقتني بفتح الستارة .. وبلا مقدمات يسألني عن والدي : كيف صحته الآن ؟ أجيب بانتباه متكلف : إن شاء الله طيب ... يتقدم بخطواته وقد أخذ موافقة لاشعورية بالاقتراب منه .. وقف بجانبه وقد وضع يده على جبينه وبدأ يقرأ آيات من القرآن الكريم ويكمل بقية رقيته الشرعية .. بدأت الطمأنينة تعمّ سائر جسدي .. كيف غفلت عن أن أتلو عليه شيئاً من كلام ربي سبحانه .. أنه هول المصيبة يُلقي على عقلك غطاءً لا ترى من خلاله إلا ما يزيد مصابك !! .. صوته الغليظ يرجعني إلا وعيي من جديد وأنا أسمع سورة الفاتحة .. الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، إياك نعـ .. تغير الصوت فجأة .. صوت متقطع حزين مكلوم يكمل الآيات بصعوبة .. إنه صوت والدي .. قفزت من مكاني بلا وعي .. غير مصدّق لما أرى .. أرمق بعينيّ حركة شفاهه المرتبكة وهو يتلو الآيات بثقل .. لقد نطق بعد سكوته المخيف .. لقد أزاح بصوته سحابة حزن ثقيلة غطت سماءنا .. نظرت إلى الرجل نظرة البائس الذليل إلى المحسن الجليل .. كانت كلمة الحمد لله كافية للتعبير عن امتناني له ولقراءته على والدي .. غادرنا وهو يدعو له بالشفاء العاجل .. كان هذا أبو عبد الرحمن شيخ مصري وقور اعتاد أن يأتي إلى هنا بين فينة وأخرى ليقرأ على المرضى ويدعو لهم ... كما النور يداعب أخيلة الظلام حتى يجلوها مع بزوغ فجر جديد .. كان مجيء أبا عبد الرحمن إلي والدي .. وكذلك كان لحياته .. يوم جديد ... صوت المؤذن ينادي للفجر يداعب مسمعي بعد إغفاءة بسيطة ظفرت بها لحظة أن اطمأننت على والدي .. جدران المستشفى الحزينة تغريك بالصلاة خارج حدوده .. هناك ، حيث تبسط السماء رداءها اللازوردي على كتفي الأرض .. وتتهادي نسائم الصبح الندية تلامس وجنتك الفاترة .. وتداعب مخيلتك مناجاة الطيور تتقافز منتشية على أغصان شجرة تقف شامخة أمام عظمة الخالق وجمال المخلوق .. بخار الماء الحار المنبعث من كأس الشاي يخلق جواً ضبابياً يسوّل لي النوم على الكرسي حيث أجلس في بوفيه مقابل لسور المستشفى .. وأصابعي الباردة الملتفة حوله ، تحاول أن تتدارك ما تبقى من حرارته .. لم يطل استمتاعي كثيراً .. فاللحظات السعيدة تبدو سريعة في مرورها .. ولابد من العودة حيث الحبيب يغفو هُناك .. فيا هَناك .. الكرسي البلاستيكي الأبيض بأرجله التي صنعت من الألمنيوم الفضي يقف كالحارس بجوار سرير والدي ، وكأنه كان ينتظر قدومي ويعاتبني على دقائق قضيتها بعيداً عنه .. اقتربت في خجل .. وقبّلت جبين والدي اعتذاراً له .. وجلست بجواره .. أكلأه برعايتي .. ودعاء الله أن يشفيه .. مضت أربعة أيام منذ دخولنا إلى الطوارئ .. وحالة والدي تتقدم بشكل بطيء .. حين أحس الأطباء بتحسّن طفيف طرأ على حالته في اليوم الخامس .. فضلوا نقله إلى أحد أجنحة التنويم المخصصة في المستشفى ، وبالتحديد في القسم المخصص لمثل حالته .. لم أكن مرتاحاً لهكذا إجراء ، لكن فكرة الابتعاد عن جو غرف الإنعاش المجاورة والموبوءة بالأمراض الخبيثة كانت مقنعة للموافقة على ذلك . أصبح السرير أكثر اتساعاً وراحة لوالدي .. وحركة الممرضات والأطباء وجلبة المراجعين أخف بكثير داخل الجناح الجديد في الدور الأرضي من المبنى حيث علّقت لوحة كتب عليها ( 100 – ن ) ، في أول غرفة إلى اليسار وعلى يمين الداخل كان مستقر عربته الأثيرة ، هكذا كنت أسمّي سريره الطبي ونـحن في طريقنا إلى هناك ، كانت محاولة عابثة مني لإضفاء شيء من الدعابة من حوله ، علّي أن أخفف عنه سآمة المرض وطول الالتصاق في مكان واحد لفترة طويلة ... التنهدات المتتالية .. والحركات المملة بين الجانب الأيمن حيناً والجانب الأيسر حيناً آخر .. هو ما كان يستطيع أن يفعله ، غير مدرك لما يجري حوله .. وجفونه المترهلة تفتح بين فينة وأخرى بشكل ضئيل .. فيستقر نظره على سقف الغرفة المستعار .. يحاصره وهج الأنوار البيضاء من فوقه .. كان لزاماً علينا .. أنا وإخوتي أن نقوم بتقسيم ساعات اليوم بيننا .. فيتخذ كل واحد منا وقتاً محدداً ليرافقه فيه ، ويعتني به ، ويقوم بتلبية طلباته وما قد يحتاجه خلال يومه .. كانت النوبة الليلة من نصيبي .. فيما تقاسم البقية سائر اليوم .. يتخلل ذلك الزيارة الرسمية والتي تفتح فيها الأبواب من الرابعة مساءً وحتى الثامنة ليلاً .. يصبح خلالها المستشفى أشبه بسوق مفتوح ، تتعالى فيه الأحاديث بين المرضى وعائلاتهم .. وصرخات الأطفال الذين تمكنوا من الدخول خلسة بعيداً عن أنظار رجال الأمن المتيقظين .. كانت تلك الجلبة المفتعلة فرصة ليتذكر هذا المسجى على فراشه أن ثمة دنيا في الخارج تنتظره ، فيتجدد أمله في حياة رغيدة .. وترنو نفسه لعيشة سعيدة .. وتستجمُّ روحه بعد ما عانت من المرض ما فقد معه طيب العيش أياماً .. كانت نظرات المرضى لزوارهم كنظرات غرباء جاؤوا من جزيرة أخرى أو مكان بعيد فوجدوا أنفسهم في مدينة تضج بالحديث والجديد ، فتعجبوا مندهشين مما أمامهم ، وعيونهم تكاد تلتهم - وهي تفتح على أخرها - كل ما تقع عليه علّها أن تتحرر من أفقها الضيق ومحيطها المحدود !! .. بقدر ما كانت الزيارات تبهج المرضى ومرافقيهم ، بقدر ما كانت تزعج آخرين ، وتفقدهم جو الصفاء الذي يعيشونه وسحر الهدوء الذي يعشقونه .. وبعد خروج آخر زائر من المبنى .. يعم السكون سائر الأرجاء .. وكأننا على ميعاد مع الجمود الذي يقطع سكونه عربة الطعام الحديدية بعجلاتها الصدأة التي تحدث صوتاً شبيهاً بآلة بـخارية تتنفس بعمق وقد لفظت أنفاسها الأخيرة .. لحظات السكون تزداد عمقاً .. وتكاد تشعر بالأصوات وكأنها تحدث داخل أذنك .. صرصرة سرير قريب منك .. ورشفة ماء على ظمأ تحس بها في حلقك .. وصوت مذياع يتهادى منه نبرة منخفضة لقارئ يرتل سورة من القرآن .. وهمسات الممرضات وضحكاتهن السريعة تطل عليك من باب الغرفة المفتوح .. كل شيء يبدو صغيراً ثم يكبر إلا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر .. أعلل نفسي بهذه الكلمات وأنا اتخذ مكاني بجوار والدي ، أجلس على الكرسي السياحي الذي أعد لهكذا مناسبات ، لكنه لا يصمد حين تطول الساعات ، ويصبح ظهره الأعلى وما يلي عمودي الفقري كقطعة واحدة من طول العناق والتلاقي ... الساعات المملة التي كنت أطويها بجواره علمتني الكثير مما كنت في حاجة له .. حياتنا اللاهثة ، وأعمالنا المتتابعة ، وأشغالنا التي لا تنقضي .. أحالتنا إلى آلات صامتة تغذى بالوقود لتنتج أكثر .. فإذا أصابها العطب وتهالكت أوصالها .. استبدلت بأخت لها جديدة .. ووضعت في ركن قصي .. حيث يلفُّ الظلام جسدها .. ويطوي الزمن ذكرها ... فهل تساءل أحدنا عن شعورها حين تكون هناك ؟! وهل تحس هي أو تشعر بمن حولها ؟! لكننا لا نكتفي بجمود الحياة من حولنا ، بل نـحاول عبثاً أن نـحيلها إلى حجر صلد ، فتموت جذوة الفرح فينا ، وننسى مع تراكم الغبار أن ثمة روحاً وثابةً في ذواتنا تحب أن تعيش .. ذلك هو أبي .. أراه كأسطورة في أبسط صورة .. قلبي الصامد طوال السنين صار كالماء المذاب يتخلل صدري الواهن ، أضع يدي على ما تبقى منه ، أتحسس صدى نبضه الخافت ، فقد سلبه مني ليلته تلك ، وغفى .. ليتركني أبحث بجوفي عن حطامه .. ليته لم يفعل .. كنت ليلتها أقاوم إغفاءة ماكرة تراودني عن يقظتي ، يغريني صمت المكان من حولي ، صوت رقيق هامس يتناهى إلى سمعي المثقل ..... مــحــمــد ..... فألتذّ بالحلم حين أكون سيده .... ثواني مهيبة ، فإذا بالهمس يسري من جديد ، يعلن عن نفسه بوضوح .... مــحــمــد ... مــحــ .... فأتدارك ما تبقى من صداه ، أغالب جفنيّ المنسدلين ، استجمع مداركي ، فإذا به هو .. ينادي نداءه الذي قطّع به نياط قلبي إذ نطق .... مــحــمــد حــبــيــبــي .... انـهـدَّ جسمي حين سمعتها ... تهت في فضائه الساحر .... ياه ... يا أبوعلي ... كان يكفي أن تناديني باسمي ... أو .. يا ولد ... أمّا أن تقتلني بـحبك ... فهذا ما يـحيلني هباءً بين قدميك .. تقول حبيبي !! ... وأنا المتثاقل في خدمتك ... المتبرم في رعايتك ... المتشاغل عن تلبية طلبك ... حبيبي !! ... لم أكن لأتصور أن تخرج هذه المعزوفة من رجل مسنٍّ تتحدث الصحراء بجفوتها في عمره الثمانين ... حبيبي ... كانت هي الكأس التي سقاني بها ليلتي هذه فسكرت بها في عالمي القدسي ونسيت من في الوجود ... فأنا معه ... * * * أشعر بأن العالم بأجمعه يغبطني ، وأن أفلاك السماحة والرحمة والشفقة تتلاشى في مدار حبي له ... إنسان لطيف يفيض بدفقة حالمة على جفوني البائسة ... فلا أكاد أجزيه ولو بأعز دمعة جادت بها عيني ... وهذا ما كان في مسائنا ذاك ... تلك الليلة ... كانت ليلة الغرام ... بلغت الصبابة بي منتهاها .. كل النهارات والليالي لا تكفي لأخذ نصيبي منه ... ليلتها .. كنت أملأ ناظري .. وأنا أرقبه باهتمام .. يغفو على مخدته القطنية .. مسحة الوداعة تحيل مرآه حريراً طاهراً .. أحسد عينيّ .. فهي الوحيدة في جسدي تتمتع به .. كلما بدت منه التفاتة ... تحرك كل شريان في كياني ... وإذا أشاح بوجهه نـحوي ... استيقظت كل خلية عندي ... حتى أرتوت مقلتيّ بسقيا عشقه دموعاً سقت جفاف وجنتيّ ... لم تطل متعة ألـمي معه ... حتى فتح عينيه بحركة بطيئة ... يرمق بها كوب الماء يغفو إلى جواره ... يستدعيه ... فأفهم قصده .. أمد يدي لأحتضن مراده ... انتصب كالعبد بين يديه لأسقيه .. وأنا لا أكاد أبصره من البكاء .. حينما اقتربت منه أكثر ... ندّت دمعة مني .. وسقطت على ظهر يده ، كما تسقط القطرة النديّة على أوراق الورد .. قال وقد انطقته برودتها : " وش ذا .. ماء " .. فرسم بحروفه المعدودة ابتسامة مضنية على محياي .. أجبته بهمس العاشقين : هذه بعض آلامك .. يا بوعلي .. وبت .. أنا .. وهو .. وكأسنا .. ودمعتي الغالية .. نناجي بعضنا ... * * * الدعوات الصادقة .. والرعاية الحانية .. وزيارة الرفقاء المحبين ( سعد ، مشاري ، عبدالإله ، فارس ) وغيرهم .. ملأت وحدتي .. وآنسة غربتي .. وعجلت بشفائه بتوفيق الله .. وفي الوقت نفسه .. أفسدت خلوتي مع من أحب .. سامحهم الله .. لا يعرفون مقدار النعيم الذي كنت أحتفظ به .. عذرتهم ... حين أبصرتهم حوله وقد نازعوني في أبوته .. لكنهم .. لم .. و لا .. ولن يزاحموني على حبه .. فهذا بعض عهدي له .. ولا أملك إلا الوفاء .. هذه قصتنا .. قصة عاشقين .. بل عاشق و معشوق .. حبيب و محب .. نهر الصبابة تدفّق .. فهل يقف بتوقف بوحي هذا .. كلا ... لكنني سأسطر أصعب وأثقل كلمات في هذه المناجاة : ... وحينما يموت أبي .. سأحبس كل كلماتي .. ليكتبها هو .. على صفحة قلبي .. محمد الساعة 3,42 ليلاً 13 / 3 / 1428 هـ
زجاجة عطر لامس رذاذ العطر نتؤات بشرتها البضّة .. دنت بأنفها الصغير .. لتستنشق ذلك العبق .. تاهت في أريجه .. حينما خرجت من دُكان العطور .. سرق الهواء عطرها الفواح .. في المرة القادمة .. آلت على نفسها أن لا تخرج العطر من مكانه .. ستعيش هي .. داخل الزجاجة .. صدقة الإشارة حمراء .. والعباءة السوداء ، تطوي المسارات الثلاث .. على بعد أمتار قليلة منه .. تفتح نافذة السيارة أمامه .. تتوجه الفتاة مسرعة لكسبها اليومي .. طال وقوفها أمام النافذة .. حينما أمعن النظر .. رأى يد المتصدق الكريم ، تداعب بخبث نهدي الفتاة .. ومع كل حركة إضافية .. ريالات أكثر .. أحسّ بظلم مقيت يملأ الشارع من حوله .. لحظات وفاجأته الفتاة بوقوفها أمام نافذته .. بدهشة .. أخرج ورقة خضراء تحمل الرقم 50 مدّ يده إليها .. لكن هذه المرة في وجهها وهو يقول : صدقة بلا مقابل .. الله يتقبل غادرته الفتاة كسيرة .. وعيناه لم تغادر صاحب السيارة أمامه .. الإشارة خضراء ..
توكيل
إحساس
عُمْر في السنوات الأولى ..نظرات مبهورة .. وحركات بطيئة .. عالم من الاكتشاف . في العاشرة .. المزيد من الشقاوة والنشاط .. مازال يكتشف .. في العشرين .. قصص كثيرة ينتظر أن يكتبها .. في الثلاثين .. بدأ الرجل يخرج من مكانه .. ويتضخم العقل .. في الأربعين .. الحكمة سيدة أعماله .. في الخمسين .. بدأ يراجع حساباته .. في الستين .. يترقب من حوله .. يبحث عمن يهتم به .. في السبعين .. ينتظر الموت .. في الثمانين .. ما زال ينتظر .. في التسعين .. ملّ الانتظار .. تأخر الوقت كثيراً .. أصبح كقطعة أثاث .. تأتي الخادمة لتمسحه من الغبار .. ثم تعيده مكانه .. ما بعد التسعين .. أصبح لوحة كبيرة بإطار جميل تزين مدخل المنزل .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. كفن كل الأشياء الجميلة كانت تتمثل له في والده .. حينما توفي والده حجب الكفن الأبيض ذلك الجمال .. كبر الصبي .. بينما كان في المدرسة .. وفي حصة الرسم بالتحديد .. طلب المعلم منهم أن يرسموا الطبيعة وجمالها على صفحاتهم البيضاء .. انتهى الدرس .. رسم جميع الطلاب ما طلب المعلم .. إلا ذلك الصبي .. حينما جاءه المعلم لم ير إلا صفحة بيضاء .. سأله : أين الطبيعة ؟ قال : لقد حجبها الكفن الأبيض .. آلة حاسبة أمواله الكثيرة تحجب عنه أهداف حياته الجميلة .. مازال رصيده في ازدياد .. وفي كل مرة كان يحاسب نفسه بدقة عن ارتفاع أسهمه .. مرت السنون دون أن يعي شيئاً سوى أن أمواله تكثر .. على سرير الموت .. أوصى بأمواله لذويه .. بدقة متناهية .. كثير الأسئلة ولد .. ذكي .. نبيه .. يسأل دائماً ليكتشف .. أحس والده بالإزعاج لكثرة الأسئلة .. ودائماً يقول له : " كن رجلاً ولا تكثر الأسئلة " . أحس أن كل سؤال يسلبه رجولته .... في غرفة الفصل .. المعلم يسأل التلاميذ .. وزميله بجانبه يكثر الإجابات .. اقترب منه معلمه وسأل : لماذا لم تجب ؟ أجاب : " كن رجلاً ولا تكثر الأسئلة " .
قرر أن يكون حازماً مع نفسه .. ويحقق الثقة التي يتحدث عنها الآخرون .. سيكون شجاعاً ويقولها .. سأله صاحبه : هل أنت واثق من نفسك ؟ أجاب بثبات : لا عتاب دائماً ينادي .. وينادي .. لكنني لم أجبه .. حينما التقينا .. سألني معاتباً : كنت أناديك ، لكنك لم تجبني ؟! فقلت له : لأنني كنت صداك . أحلام سعيدة على سريره .. ودعته أمه بقبلتها الحانية على جبينه .. توجهت للباب .. أرادت أن تطفأ الإضاءة .. سمعت صوته : ماما .. لا أجابته : لماذا حبيبي .. أجابها : لا أريد أن أكون مثل أبي !! أريد أن ترى أحلامي النور . مهذب انتهت الأيام الذهبية في حياتهما ، وولى طيف التعامل اللطيف .. في أحد أيامه الرمادية .. خرج من المنزل عابساً بلا سبب .. جاره القذر يركن سيارته أمام مقدمة داره .. يتقابل الاثنان ويعتذر الجار في برود : أزعجناك . وبابتسامة جليدية يجيبه : أبداً البيت بيتك . عند مواقف المبنى حيث يعمل .. ترك لزميله الموقف المميز لأنه رآه تقدم عليه سنتيمترات .. لا يريده أن يصفه بالأنانية !! داخل المكتب يجثم مديره المزعج.. يلقي عليه محاضرة في الانضباط في العمل .. ويحاسبه على أخطاء غيره .. يخرج من مكتبه دون نقاش .. النصيحة الإدارية الغالية : حافظ على علاقاتك مع مديرك . في صالة المنزل .. تستقبله زوجته متعبة .. أخبرته بأنها لم تصنع له غداء .. غاضباً أجاب : الخادمة في بيتي أنفع بكثير من أمثالك . خرج مسرعاً ليشتري له غداءً .. بعد أن أغلق الباب في وجهها بقوة ..
من يشتاق إليك من يأنس بالجلوس معك من تشرق نفسه برؤيتك من يتلذذ بسماع صوتك من يحب سماع أخبارك كل هؤلاء .. يلجؤون إليك يطلبون الجلوس معك .. يتمنون لقاءك .. يحسون باللحظات تمضي معك مسرعة .. يتمنون تكرارها .. هذه هي نظرتهم لك . وتبقى أنت .. حينما يتركوك وحيداً .. وقد أسعفتهم بعد الله في مصابهم .. وكآبتهم ووحدتهم .. حينما احتاجوا لأخ .. أو صديق .. أو محب .. والآن .. ها أنت تمر بنفس اللحظات .. وتصبح الطالب للمطلوب .. الآن تبحث عن المقصد بعد أن كنت القصد .. مرّت بي .. تذكرتهم جميعاً .. كل أولئك الذين كانوا يأتونني في مساءات الأحد ، حيث كنت أخبرتهم بموعد لقائي .. مرّ طيفهم عليّ سريعاً .. وأنا أرسم صورهم .. وأرسم معها كل أحاديثنا الشائقة .. وأتلذذ بحديثه كما يتلذذون .. وآنس برؤيته كما يأنسون .. بحثت .. كنت أبحث .. أتذكر الصور .. أحاول أن أجمع شتاتها .. لم تكن الصورة واضحة .. لكن هناك صورة واحدة فقط .. لم أكن أراها .. إنما كنت أحس بها في أعماقي .. رفعت بصري إلى السماء .. وحينما رفعت يدي .. بللت الدموع وجنتي .. رفعتها وأنا أدعو الله عز وجل .. بأسمائه العليا .. وصفاته الحسنى .. أن يفرج الهموم .. وأن يزيل الغموم .. أن يلطف بي .. أن يرحمني .. أن يعفو عني .. أن ييسر دربي .. اللهم ...... آمين
حينما تكتب تدوينة جديدة فأنت ولاشك تجلس على مكتبك وأمامك قلمك المعتاد وصديقتك الورقة أو حاسوبك .. تدوين موفق .. وأفكارك تدفق .. لكن لدي تجربة وأصفها – زاعماً – بأنها مثيرة لأنني أحسست بالإثارة وأنا أمارسها .. هل أنت مستعد .. لنبدأ .. أطفأ الأنوار في غرفتك .. استحضر الفكرة .. أمسك قلمك ( حاسوبك ) .. وابدأ في الكتابة في الظلام دون أن ترى ما تكتب .. ( أمر غريب ) .. وفي النهاية .. أظيء الغرفة بالأنوار .. واكتشف ماكتبته .. ما الفائدة من ذلك .. سأخبركم لكن بعد أن تسمعوا هذه الممارسة .. خرجت مع أخي في نزهة لأحد المنتزهات القريبة .. أردنا أن نمضي جزء من الوقت في التسلية .. كان معي دفتر مذكراتي .. واتفقنا أن نبدأ في كتابة قصة .. بحيث يبدأ الأول بجملة قصيرة ثم يحاول الآخر إتمامها مبتدأً بنفس الحرف الذي انتهت به الجملة السابقة ( قانون معقد ) وأشبه مايكون بمساجلة قصصية ، ولكنها ممتعة !! المهم مع امتلاء الصفحة أمامنا خرجنا بقصة جميلة متوازنة وومتناسقة إلى حد كبير في المعنى والألفاظ . والمهم أننا ضحكنا سوياً .. وكتبنا في نهايتها . بقلم / محمد و ....
حاسبوا مدافعكم حينما سمعت الخبر المضحك حتى البكاء : " وقد صرح وزير الدفاع الإسرائيلي أن ما حصل في بيت حانون كان ناتجاً عن خطأ فني في المدافع ... " أصبت بالدوار لوهلة وأنا أرى دماء إخواننا تصبغ شاشاتنا بالأحمر القاني . آآآآآه .. خرجت مني بلا شعور . أحسست بحرقتها البالغة في جوفي . فقد حرّك الموقف مني ما لم يتحرك . شعرت بوخز المدفعية في قلبي . جعل الدموع تجري بلا هواده . أتقازم بوجع قلبي ودموعي أمام دمائهم التي تراق . أقسم لكم أنني لم أشعر بزفراتي كما شعرت بها الآن . حرى .. ساخنة ، كسخونة الموقف هناك . ومدافعنا النائمة .. لم تعمل بعد .. حتى تصاب بذات الخلل . بدأ الدم يفور في جسدي . والكلمات . لا يخفف من مرارتها ... إلا إخراج شيء من حرارتها . لم أعد أرى الشاشة فقد ملأت الدموع مقلتيّ . بلا شعور .. وبضعف المنكسر الضعيف . أرفع يديّ انتقاماً .. يارب .. شل أركان اليهود .. أطعمهم الحزن .. إسقهم العذاب .. أرهم المصاب .. كما أصابونا في قلوبنا .. في قلوبنا ..
قصص قصيرة جداً كلما سمعتك تتحدث عن نفسك : أنا لا يهمني .. ألغيت كل شيء بعد لا يهمني هذه .. حتى ألغيت نفسي من فرط نورك .. فإذا افتقدتني .. فأنا في ظلالك .. كانت المحاولات فاشلة .. لكنها كانت فقط لإقناع زوجته .. دخل طبيبه وقد يئس من حالته .. لم يجد شيئاً يعمل .. كل الأجهزة كانت متوقفة .. سوى مغذٍ .. كان يطعم جسداً ميتاً .. وفي الخارج .. كان ثمة جسد ميت آخر .. كل الأشياء من حوله كانت تثبت له أنه تعيس .. ذات صباح كئيب كان كوب الشاي بين يديه . حينما تناول رشفته الأولى .. كانت شديدة الملوحة . نظر للحبيبات البيضاء في قاع كوبه .. سكر أم ملح .. رجع للمطبخ مرة أخرى .. وضع الكأس على الطاولة .. وأضاف مزيداً من الملح .. أراد أن يعض أصابع الندم .. على عمره الذي فات .. مد يده لفمه .. وحين أطبق عليها. تذكر أنه وضع طقم أسنانه على المنضدة الصغيرة بجواره .
كم تحيرت كثيراً في اختيار موضوع مناسب لخواطري التي دائماً ما كنت أغفل عن تقييدها في كراريسي وأوراقي فتبقى طليقة حرة تسبح في مخيلتي وفكري تنتظر مني أن أسطرها وأخلدها في صفحاتي ، فيصيبها الكلل وهي لم تجد مني جواباً فتتلاشى في أعماق عقلي إلى حين . وكيف تجد مني جواباً ولّما أؤمن بداخلي برسالة الكاتب ، تلك الرسالة السامية التي جعلت الكتّاب عظماء في مجتمعاتهم . كيف لي أن أعرف إذا كنت كاتباً أم لا ؟ أو أن ما أكتبه يستحق أن يقرأ ؟ ولماذا أكتب مادام من سبقني قد كتب وأجاد وأبدع ؟ كنت في زمن قريب أداعب بأناملي خواطر نفوس بعض الكتاب وكنت أرى في حينها أن تلك الخواطر من مقتنيات الشخص التي يباهي بها ويحفظها من الضياع والتلف وحسب ، بل قد تكون ترفاً فكرياً وفضول كتابة . ولكن الحال ليست كذلك وليس من جرّب كمن سمع ، فهذه ليست خواطر فقط ، بل هي خلجات ومشاعر وقواعد ومبادئ ، هي عصارة فكر وخلاصة تجارب ، هي كيان متكامل تمثّل في ورقات . فلتكتب .. فأنت لا تكتب حتى تـمرِّن القلم أو توقظ الصفحات من نومها ، بل تكتب عن همومك .. عن أحاسيس جالت في صدرك .. عن خواطر صاحبة نبضات قلبك .. عن مشاعر تدفّقت تدفق الدم يسري في عروقك . فلتكتب فسيأتي من يقرأ ما كتبت ويجعله منهجاً له ، ويرى روحك تحرك كلماتك بين ناظريه .
ليس أعظم على نفس المحب حين تفقد صداقة خلٍ لك عشت معه صفاء العيش وأجمله وقضيت معه عهداً لا ينسى مهما طال الزمن. فقد حُفر في الذاكرة .. وما حفر .. لا يغيب مع المغيب .. عهد الدموع أنا والليل .. لست أدري من الذي يكابد الآخر .. بل أينا يغرق في هـمومه الآخر .. وأينا يروي لصاحبه .. عما يجيش بداخله .. وبما يقول لسائله .. عن قلبه الرقيق وذلك الشوق العميق .. * * * ذلك الشوق الذي يدعوك - دوماً – للنزوع .. لذكريات قد تلاشت – أو تكاد – بلا رجوع .. ذلك الشوق الذي .. مازل يفضي للولوع .. يدعوك دوماً للرجوع .. لذلك العهد الذي .. تدعوه عهداً للدموع .. * * * كان عهداً لم يحن حتى وآذن بانقضاء وكنت استجديه دهراً .. طالباً طول البقاء .. مؤملاً ، أرجو لديه .. طيب حلو من قضاء .. لكنه لم يستجب !! ومضى ... ولم يجد الرجاء .. * * * كان عيشاً من رخاء وسخاء وصفاء كان روحاً قد تسامت بالصفاء كان قلباً بالغاً حد النقاء أفترجع الأيام ذاك العهد .. من بعد الجفاء ..
حبة ترهيب .. وحبتين ترغيب .. أنا .. و هو .. كنا نجلس سوياً على مائدة الطعام في أحد المطاعم الهندية ، فقد أغراني ذلك الرفيق بتجربة فريدة لأكلاتهم واختبار مهاراتهم بتذوق بهاراتهم . . وصلت قائمة الطعام واختار صاحبي الطلب بعناية تدل على دراية واسعة بهكذا مطاعم ، وبمجرد أن غادرنا الخادم ، أخرج صديقي هاتفه ووضعه على الطاولة وكأنه ينتظر مكالمات هامة ، وبالفعل لم تمض لحظات حتى بدأ الهاتف في طلبه ، رفع السماعة وأجاب على المتصل في انفعال شديد وبلا مقدمات بدأ في صب الكلام الصارم بلا مكيال وهو يملي التقريع والتهويل والتخويف للمتصل ، كنت استمع لكلامه باهتمام وأرقب أسلوبه بتعجب . . أنهى المكالمة التي لم أسمع خلالها أي عبارة لطيفة .. وتوجه لي بالحديث ” بعض الناس ما ينفع معهم إلا هذا الأسلوب ” ، أجبته : ولكنك كنت قاسياً معه ولم تدع مجالاً للتسامح بينكما . رد علي قائلاً ” أنت ماتدري وش سوّى ” . . ثم تابع ” لا تصير حساس وتسوي لي فيها ” .عرفت من بقية حوارنا أن طريقته في التعامل تنطلق من هذا المبدأ : تقديم سوء الظن ( بحجة الفطانة والفراسة ) ، والشدة في التعامل والتي تختلط عادة بالترهيب وقليل من اللّين . ( أتمنى أن لا أكون مخطئاً في وصف طريقته وخاصة الميزة الأخيرة ) . بدأت أول الوفود تقبل . ها هي ” الشوربة ” تحط رحالها على طاولتنا ” مرحباً أيها الحبيب ” قلت مداعباً الطبق لأخفف من التوتر الذي تولد من المكالمة إياها " . شاهد صاحبي خبرتي المتواضعة في تناول الشوربة فأخذ يشرح لي – في زهو – الطريقة المثلى لإضافة البهارات عليها حتى أحصل على مذاق لذيذ ، وختم كلامه بحكمة الطباخ الماهر وهو يشير بيده في ثقة : ” الشوربة بالمقاس . . انتبه حبة ملح وحبة فلفل .. علشان ما يفسد طعمها ” . صرخ في وجهي غاضباً : ” هيه ، وش سويت ” . أجبته بمنتهى الثقة : ” حبة ترهيب .. وحبتين ترغيب ” . يبدو أن الطبق الرئيسي على مائدتنا جاهز ، بسم الله .










.jpg)


























